السيد حيدر الآملي
154
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخضم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
--> ما يتقدّر به كلّ شيء ويتحدّد به كلّ أمر . والأشياء إنّما ترتبط به تعالى من جهة صفاته الفعليّة الّتي بها ينعم عليها ويقيم صلبها ويدبّر أمرها كالرحمة والرزق والهداية والإحياء والحفظ والخلق وغيرها وما يقابلها فللّه سبحانه من جهة صفات فعله دخل في كل شيء مخلوق وما يتعلّق به من أثر وفعل إذ لا معنى لإثبات صفة فيه تعالى متعلقة بالأشياء وهي لا تتعلّق بها . ولذلك فإنّه عليه السّلام سأل الرجل عن تقدّم صفة الرحمة على الأعمال ، ولا معنى لتقدّمها مع عدم ارتباطها بها وتأثيرها فيها فقد نظم اللّه الوجود بحيث تجري فيه الرحمة والهداية والمثوبة والمغفرة ، وكذا ما يقابلها ، ولا يوجب ذلك بطلان الاختيار في الأفعال فان تحقق الاختيار نفسه مقدمة من مقدمات تحقق الأمر المقدّر ، إذ لولا الاختيار لم يتحقق طاعة ولا معصية ، فلم يتحقق ثواب ولا عقاب ، ولا أمر ولا نهي ، ولا بعث ولا تبليغ . ومن هنا يظهر وجه تمسّك الإمام عليه السّلام بسبق صفة الرحمة على العمل ، ثمّ بيانه عليه السّلام أنّ للّه مشيّة في كلّ شيء وأنّها لا تلغوا ولا تغلبه مشية العبد فالفعل لا يخطئ مشيئته تعالى ولا يوجب ذلك بطلان تأثير مشيئة العبد فإنّ مشيئة العبد إحدى مقدّمات تحقق ما تعلّقت به مشيئته تعالى ، فإن شاء الفعل الّذي يوجد بمشيئة العبد فلا بدّ لمشيئة من التحقق والتأثير ، فافهم ذلك . وهذه الرواية الشريفة على ارتفاع مكانتها ولطف مضمونها يتّضح به جميع ما ورد في الباب من مختلف الروايات ، وكذا الآيات المختلفة من غير حاجة إلى أخذ بعض وتأويل بغض آخر » انتهى كلام العلّامة . وأمّا كلام صدر المتألهين ، في تفسير سورة السجدة الآية 21 ، فهو ما يلي : « وأمّا ما ألهمني اللّه به وقذف في قلبي من نوره ، وهو أنّ لعلم اللّه تعالى وإرادته مراتب متفاوتة في النزول ، فكما أنّ لعلمه مرتبة كماليّة هي نفس ذاته بذاته ، إذ بذاته يعلم جميع الأشياء الكلّية والجزئية ، وهذا العلم ليس متكثرا بل علم واحد إجمالي ، هو واجب بالذات وهو مرآة كل الحقائق ومجلى جميع الرقائق ، وبعد ذلك مرتبة تفصيل